مدخل: كيف تصبح أباً ناجحاً؟
للإجابة على سؤال كهذا، نجد أنفسنا في حاجة إلى الوقوف عند عدة محاور هامة ترسم ملامح التربية الواعية والاحتواء الأسري السليم.
أولاً: الفعل قبل القول (أهمية القدوة)
لأهمية عنصر القدوة في حياة الناس، ولكون الإنسان بطبيعته يحتاج إلى نموذج تطبيقي حي أمامه حتى يتصور الخلق المعين والسلوك الموجه فيصدق به ويتمثله في حياته، أرسل الله تعالى المرسلين وأمرنا بالاقتداء بهم فقال سبحانه: "أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ"، وقال عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ".
فالناظر المتفحص لأحوال الآباء وأساليبهم ليدرك كم هو مقدار ذلك البون الشاسع بين المرجو والواقع، وبين الأمل والحال. إن الفعل أبلغ من القول، وفعل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل؛ فالقول والعمل أهم من القول المجرد، وكثير من يتكلم ولكن قليل من يفعل.
ولعل من بركة توجيهاته صلى الله عليه وسلم لصلاة النوافل في البيوت -وألا يجعلها الناس قبوراً- فضل كبير الأثر في اقتداء الأولاد بذلك، فقد روى أبو داود أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "خير صلاة الرجل في بيته إلا الصلاة المكتوبة"، وقال: "تطوع الرجل في بيته يزيد على تطوعه عند الناس كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته وحده" (صحيح الجامع).
والأبناء في استقائهم الخلق وتشربهم بالسلوك لا يقنعون بالظاهر منها فحسب، بل يتعدون ذلك إلى مستويات أعمق بكثير مما يظن الآباء. فالأب يعيش في بيته على طبيعته بغير تكلف، وهو الأمر الذي يجعله يتصرف بما وقر في حقيقته وداخليته، والولد يقلد أباه فيما رآه منه على الحقيقة لا على التكلف. والأبناء يلحظون الصغير الدقيق من السلوك والأخلاق كما يلحظون كبيرها، وتؤثر فيهم صغائر الأحوال كما تؤثر فيهم كبائر الوقائع.
ثانياً: رحمة الأب تولد الاستقرار النفسي لدى الابن
الأب الناجح هو الأب الرحيم العطوف بأبنائه وأسرته، الذي يمنحهم الحب والعطف والحنان، ويشملهم برعايته ويحتويهم بقلبه الكبير، فيشعرون معه بالسعادة والأمان. وعلى العكس من ذلك، فالأب القاسي هو المتسبب الأول في الأمراض النفسية لدى أبنائه، والمشجع الأول على نمو الأمراض القلبية لديهم من غل وحقد وحسد وحب ذات وغيره.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم خير قدوة في رحمته وعطفه وملاطفته الصغار وملاعبتهم والتبسط معهم والتحبب إليهم وعدم العبوس في وجوههم؛ فقد روى مسلم عن عبد الله بن جعفر قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل أحدنا بين يديه والآخر خلفه حتى يدخلنا المدينة".
وروى ابن ماجة عن يعلى بن مرة قال: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ودعينا إلى طعام، فإذا حسين يفر ههنا وههنا ويضاحكه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذه، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى في فأس رأسه فقبله".
وروى الشيخان قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي أتجوّز في صلاتي مما أعلم من وجد أمه من بكائه".
روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبّل الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس، فقال الأقرع: إن عندي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "من لا يرحم لا يُرحم". وقد قال الله سبحانه: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ" (آل عمران: 159).
ثالثاً: ومن يك حازماً فليقسُ أحياناً على من يرحم
روى مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "إن الله يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله إذا أراد بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق" (صحيح الجامع).
ولكن ليس معنى الرفق والحب والرحمة أن يتهاون الأب مع أولاده في مواطن الحزم؛ فوضع السيف موضع الندى مضرٌّ كوضع الندى موضع السيف! والحكمة هي فعل ما ينبغي كما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي.
لا يمكن أن يرى الأب ابنه يفعل السيئات أو المخالفات وبدعوى الحكمة والرحمة والرفق يتركه أو يقره على ما هو عليه. إن الحزم والحكمة يستدعيان من كل أب أن يقف مع ولده وقفة حازمة قوية، يضع له فيها الحدود ويبين له القواعد التي ينبغي ألا يحيد عنها.
وليعلم كل أب أن وقافاته الحازمة الممزوجة بالمحبة لا تُنسى، بل تُحفر في ذهن الولد؛ فإن وجد فيما يستقبل من عمره قدوة صالحة من أبيه زاد ترسخها وصارت خُلُقاً ثابتاً فيه وصفة أكيدة من صفاته.
رابعاً: توجيهات ومحاذير للآباء في معاملة أبنائهم
- 1. الأب قائد مدرسة تربوية: ليعلم الأب أنه في بيته قائد لمدرسة تربوية لها منهج ووسائل ومحددات؛ فعليه أن يضع منهجها وفق السنة النبوية والشرع الإسلامي العظيم، مع تجنب الجمود والتشنج في تطبيق الضوابط، لتكون مدرسة محببة للولد تسعد البيت وتنشئ الأسرة السعيدة.
- 2. تثقيف الذات واستشارة أهل الاختصاص: يجب على الآباء تثقيف أنفسهم وتعلم فن التربية وأساليبها، ومداومة سؤال المربين والخبراء، ومتابعة الإصدارات التربوية الحديثة للوقوف على ما ينفع منها.
- 3. الصبر واجتناب الغضب والضرب: تعلم الصبر من المهارات الأبوية الهامة. ويحذر المربون من كثرة معاملة الأولاد بالغضب، خاصة إذا كان الأب عصبي المزاج. كما يحذر من ضرب الأولاد لحظة الغضب؛ إذ إن ذلك خطأ خطير لا يؤدي للتعليم بل هو إنفاذ للغيظ فحسب.
- 4. التعلم بالحب قبل الشدة: ليعلم كل أب أن أبناءه يتعلمون بالحب قبل أن يتعلموا بالأمر والشدة، فاحرص على توليد المحبة المتبادلة بينك وبين أبنائك.
- 5. جلسات المصارحة والملاطفة: كل أب بحاجة لأن يخلو بولده بين فترة وأخرى ليمازحه، ويكلمه، ويسأله عما يحزنه أو يؤرقه، وعن آماله وأحلامه. إن لقاءات المصالحة والمصارحة هي تفريغ نفسي وجداني هام؛ وإن اشتكى معظم الآباء من صعوبة التقرب من أبنائهم في الكبر، فلأنهم قصروا في جلسات المصارحة في الصغر فبنيت الجدران بينهم!
- 6. النجاح الأبوي مرتبط بالنجاح الزوجي: هناك علاقة وثيقة بين كون الأب ناجحاً وكونه زوجاً ناجحاً؛ فالزوج الناجح هو الذي يهيئ لأولاده بيئة أسرية خالية من المشكلات والمنغصات، ويكون عوناً لزوجته على إتمام العملية التربوية بنجاح.

0 تعليق: