ملخص المقال: دعوة تجريبية وإيمانية تعود بالروح إلى نبع القرآن الكريم؛ مستعرضة دوره كدستور عملي للتربية وصناعة الإنسان، وموجهاً للأمة في مواجهة تحديات الواقع وتجاوز العزلة عن النص الرباني.
الكلمات المفتاحية:
ظلال القرآن
تدبر القرآن
دستور الحياة
التربية الإيمانية
فكر إسلامي
1. تجربة قلبية والدستور الحي للأمة
تلك الدعوة إنما هي تجربة سطرها واقع الحياة في إحدى القلوب المسلمة، أدركت أهمية العيش بروح مسلمة تهيم في جو الطمأنينة إلى كلام الكريم الرحمن، بعد أن تاهت روحها بالعديد من مراحل الحياة، وتقاذفتها تجاربها المريرة. إن لتلك الحياة مذاقاً مختلفاً، لا يدركه إلا من افتقده بحياته يوماً من الأيام، ثم عاودته تلك النفس اللوامة إلى الصراط المستقيم بعد أن حاد عنه.
مذاق تهيم معه في عالم من النور الفياض الذي سينير لك جميع دروب الحياة ودون سعي منك.. مذاق تدركه فقط من شعرت بالتيه وتجرعت مرارة الذل والعبودية للحياة بدونه.
لذا كان لا بد من دعوة نطلقها حتى تبلغ عنان السماء؛ دعوة نور، ومشعل هداية إلى الحياة في ظلال القرآن الكريم على نهج الله المستقيم، دعوة إلى من يبحثون عن الحياة – والحياة بحق – حياة الدارين الممتدة بوصال إلى نبع فياض من السمو والكمال.
فالقرآن الكريم هو كتاب هذه الأمة الحي ورائدها الناصح، ومدرستها التي تتلقى فيها دروس حياتها، والله هو المربي. ولقد أراد الله سبحانه أن يكون هذا القرآن هو الرائد الحي الباقي لقيادة أجيال هذه الأمة، وتربيتها وإعدادها لدور القيادة الراشدة، الذي وعدها به كلما اهتدت بهديه، واستمسكت بعهدها معه، واستمدت منهج حياتها كله من هذا القرآن، واستعزت به، واستعلت على جميع المناهج الأرضية الجاهلية.
2. دستور التربية ومعركة الضمير
إن هذا القرآن ليس مجرد كلام يتلى، ولكنه دستور شامل؛ دستور للتربية كما أنه دستور للحياة العملية. وقد تضمن بصفة خاصة تجارب الدعوة الإيمانية من لدن آدم عليه السلام، وقدمها زاداً للأمة المسلمة في جميع أجيالها؛ تجاربها في الأنفس وتجاربها في واقع الحياة، كي تكون الأمة المسلمة على بينة من طريقها وهى تتزود لها بهذا الزاد الضخم وذلك الرصيد المتنوع.
إن هذا القرآن ينبغي أن يُقرأ وأن يتلقى من أجيال الأمة المسلمة بوعي وتدبر، على أنه توجيهات حية تتنزل اليوم لتعالج مسائل اليوم، ولتنير الطريق إلى المستقبل، لا على أنه مجرد كلام جميل يرتل أو سجل تاريخي مضى ولن يعود. ولن ننتفع بهذا القرآن حتى نقرأه لنعلم عنده توجيهات حياتنا الواقعية في يومنا وغدنا، كما كانت الجماعة المسلمة الأولى تتلقاه لتمتع بالرعاية المباشرة.
ففي هذا القرآن نشهد صورة موحية من رعاية الله للجماعة المسلمة وهو يصنعها على عينيه، ويربيها بمنهجه، ويشعرها برعايته، ويبني في الضمير الشعور الحي بوجوده سبحانه معها في أخص خصائصها وأصغر شؤونها.
إن التوجيهات والأسس التي أتى بها القرآن لإنشاء الجماعة الأولى هي ذاتها الضرورية لقيام الأمة المسلمة في كل زمان ومكان. وإن المعركة التي خاضها القرآن هي المعركة ذاتها؛ فالأعداء هم هم بدسائسهم ومكرهم، ووسائلهم تتغير أشكالها بتغير الملابسات وتبقى حقيقتها.
3. المدرسة الإلهية وإزالة الجدار بيننا وبين النص
القرآن هو المدرسة الإلهية المباشرة؛ إنه من صانع القلوب وخالق كل شيء بقدر، ومن هذه المدرسة يتخرج الدعاة المستجابون الموفقون، فتخلص نفوسهم لدعوة الله فلا تضن عليها بشيء، لا الأرواح ولا الأموال ولا خلجات القلوب. وهي الحقيقة التي تستحيل بها النفوس ربانية بينما تمشي على الأرض؛ موازينها هي موازين الله، والقيم التي تعتز بها هي القيم الثابتة في هذه الموازين.
ولكن ستظل هناك فجوة عميقة بيننا وبين القرآن ما لم نتمثل في حسنا، ونستحضر في تصورنا أن هذا القرآن خوطبت به أمة حية ذات وجود حقيقي، ووجهت به أحداث واقعية في حياة هذه الأمة وفي هذه الأرض، وأديرت به معركة ضخمة في داخل النفس البشرية.
سيظل هناك حاجز سميك بين قلوبنا وبين القرآن طالما نحن نتلوه أو نسمعه كأنه مجرد تراتيل تعبدية مهومة، لا علاقة لها بواقعيات الحياة البشرية اليومية التي تواجه الإنسان والأمة!
الحياة في جو القرآن لا تعني مجرد دراسته وقراءته والاطلاع على علومه فحسب، بل أن يعيش الإنسان في الظروف والحركة والمعاناة والصراع التي يتنزل فيها هذا القرآن، ليواجه الجاهلية المعاصرة ويقيم الإسلام في نفسه ومجتمعه.
4. فلنعد إلى النور الإلهي
فلنعد إلى هذا القرآن الذي يصفه الله سبحانه وتعالى بقوله المحكم:
﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾
ما أحوجنا الآن أن ندرك هذه الحقيقة والجاهلية من حولنا تذيق البشرية الويلات؛ من كل ألوان الحرب في الضمائر والمجتمعات. ما أحوجنا ونحن نملك الدخول في السلام الذي منحه الله لنا في ظل القرآن حين نتبع رضوانه.
أخيراً: إن الحياة في ظلال القرآن نعمة، نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها، نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه.. أفما آن لنا أن تدرك تلك النعمة نفوسُنا وتنعم بها حياتُنا؟

0 تعليق: